تعد “الولاية القضائية العالمية” واحدة من أكثر الأدوات القانونية ثورية في تاريخ العدالة الحديث، فهي تمثل التجسيد العملي لمبدأ أن العدالة لا تعرف الحدود.
بينما ترتكز السيادة القانونية تقليدياً على “مبدأ الإقليمية” —حيث تحاكم كل دولة الجرائم التي تقع على أراضيها— أثبت هذا المبدأ قصوره عندما تصبح الدولة نفسها هي الأداة المرتكبة للانتهاكات، مما يترك الضحايا في مواجهة جدار من الحصانة المحلية. من هنا، برزت الولاية العالمية لتمنح المحاكم الوطنية في أي دولة صلاحية ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأكثر فظاعة، مثل التعذيب والإبادة الجماعية وجرائم الحرب، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية المتورطين فيها.
يستند هذا الحق القانوني إلى فلسفة أخلاقية تعتبر أن بعض الأفعال تشكل اعتداءً صارخاً على الضمير الإنساني الجمعي، مما يجعل مرتكبها “عدواً للبشرية جمعاء”.
من الناحية الإجرائية، تستمد الدول هذه السلطة من المعاهدات الدولية، وأبرزها اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، التي تُلزم الدول الموقعة بإما محاكمة المتهمين المتواجدين على أراضيها أو تسليمهم لدولة أخرى للقيام بذلك. وبذلك، تتحول المحاكم الوطنية في دول مثل ألمانيا والسويد وفرنسا إلى “محاكم احتياطية” للعدالة الدولية، تتدخل عندما تعجز المحاكم المحلية في بلد الجريمة عن التحرك، أو عندما يواجه القضاء الدولي عوائق سياسية تمنعه من ممارسة اختصاصه.
وقد تحول هذا المسار القانوني في السنوات الأخيرة من إطار نظري إلى واقع ملموس، خاصة في الملف السوري الذي بات يُشكل “المختبر الحقيقي” لتفعيل الولاية العالمية.
وتعد محاكمة “كوبلنز” في ألمانيا علامة فارقة في هذا الصدد، حيث صدرت أحكام تاريخية بالإدانة والسجن المؤبد بحق مسؤولين سابقين في أجهزة الأمن، مثل أنور رسلان، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولا يقتصر الأمر على أوروبا، بل امتدت هذه الملاحقات لتصل إلى الولايات المتحدة، كما حدث مؤخراً في قضية سمير الشيخ، المحافظ والضابط السابق الذي واجه ملاحقة قضائية في كاليفورنيا، مما يبرهن على أن المساحات الجغرافية تضيق أمام مرتكبي الانتهاكات.
ومع ذلك، فإن تطبيق هذا المبدأ يواجه تحديات معقدة تتراوح بين السياسي والتقني؛ فغالباً ما تصطدم المحاكمات بمفهوم “الحصانة الدبلوماسية” للمسؤولين الذين لا يزالون في مناصبهم، فضلاً عن الصعوبات اللوجستية المتعلقة بجمع الأدلة من مناطق النزاع البعيدة وضمان حماية الشهود.
ورغم هذه العقبات، أثبتت السنوات الأخيرة أن الولاية العالمية لم تعد مجرد نظرية قانونية حبيسة الكتب، بل تحولت إلى واقع ملموس من خلال صدور أحكام تاريخية بحق مسؤولين تورطوا في انتهاكات جسيمة. إن هذه الممارسات القضائية ترسل رسالة حاسمة مفادها أن مرور الزمن أو تغير المواقع السياسية لن يوفر ملاذاً آمناً للمجرمين، وأن العدالة تمتلك الآن أذرعاً طويلة قادرة على الوصول إلى أبعد مما كان يتخيله المنتهكون.

