شددت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا على أن المجتمع الدولي لا يمكنه الوقوف مكتوف الأيدي في وقت يكافح فيه السوريون للتعافي من عقود من الفوضى وانعدام القانون.
وأكد رئيس اللجنة، السيد باولو بينيرو، أن الدعم المستمر هو المسار الوحيد لتمكين سوريا من استكمال انتقالها نحو بيئة سياسية مستقرة تضمن حقوق الإنسان لجميع مواطنيها، مشيراً إلى أن التقرير الأخير للجنة يسلط الضوء على تقدم محرز يقابله تحديات جسيمة في ملفات الحكم الشامل وسيادة القانون.
تحديات الثقة وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية
أشارت اللجنة في تقريرها إلى أن سنوات من الانتهاكات والتجاوزات، التي ارتكبتها القوات الحكومية السابقة والجماعات المسلحة غير الحكومية، أدت إلى تآكل عميق في ثقة الشعب. وبناءً على ذلك، ركزت التوصيات الرئيسية على ضرورة تفعيل المساءلة، وإصلاح القطاع الأمني، والتواصل المباشر مع المجتمعات المتضررة.
كما أعربت اللجنة، عقب زيارتها الميدانية، عن قلقها البالغ إزاء استمرار الانتهاكات الجسيمة في محافظات حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، وهي مناطق تخضع حالياً لتحقيقات المفوضية.
وأكدت اللجنة على الحاجة المُلحة لإصلاح شامل للمنظومة القضائية والقطاع الأمني، بما يشمل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
كما اعتبرت أن إجراء فحص دقيق لسجلات حقوق الإنسان وتدريب أفراد القوات المسلحة والأمنية، وخاصة القادة المدمجين حديثاً، يمثل ركيزة أساسية لضمان عدم تكرار التجاوزات.
من جانبها، أشارت المفوضة منية عمار إلى وجود استعداد لدى الحكومة السورية الحالية للانخراط بشكل بنّاء مع المنظومة الدولية لضمان المساءلة عن انتهاكات الماضي ومعالجة التجاوزات الحديثة.
توثيق أنماط الانتهاكات وشبهة الجرائم ضد الإنسانية
يوثق التقرير أنماطاً من الانتهاكات تشمل عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، وسوء المعاملة، والوفيات أثناء الاحتجاز، فضلاً عن الاختفاء القسري والاختطاف. كما رصدت اللجنة انتهاكات واسعة لحقوق السكن والأرض والممتلكات، طالت بشكل خاص المجتمعات التي يُنظر إليها على أنها كانت داعمة للحكومة السابقة.
وكشف التقرير أن القوات المسلحة الحكومية وأفراداً يعملون معها قتلوا في آذار/مارس الماضي أكثر من 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين في مناطق اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
وخلصت اللجنة إلى وجود استهداف ممنهج على أساس الانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، مؤكدة أن هذه الممارسات قد ترقى إلى “جرائم حرب”، وفي حال تأكدت عناصرها عبر مزيد من التحقيقات، فقد تُصنف كـ “جرائم ضد الإنسانية”.
إنهاء الإفلات من العقاب لكسر حلقة العنف
رغم بدء الحكومة إجراءات لملاحقة 14 متهماً، إلا أن اللجنة انتقدت عدم كفاية آليات التدريب والتدقيق والتطهير في أجهزة الأمن، مشيرة إلى أن مسؤوليات كبار المسؤولين والقادة لم تُعالج بعد.
وأشار التقرير إلى أحداث السويداء في منتصف تموز/يوليو، مشيرًا إلى أن هذه الأحداث راح ضحيتها أكثر من 1,500 شخص، معظمهم من المدنيين الدروز والبدو، على يد القوات الحكومية والجماعات الدرزية المسلحة والمقاتلين العشائريين، وهو ملف ستصدر اللجنة تقريراً خاصاً به لاحقاً هذا الشهر.
وفي ختام تقريرها، أوضحت المفوضة فيونوالا ني أولاين أن الناجين والمجتمعات المتضررة يستحقون العدالة والتعويضات وضمانات بعدم التكرار، معتبرة أن كسر حلقة العنف التي ابتليت بها سوريا لأكثر من عقد يبدأ بإنهاء الإفلات من العقاب. كما أعلنت اللجنة استمرار تحقيقاتها في انتهاكات الشمال الشرقي الناتجة عن التصعيد بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بالإضافة إلى التحقيق في العمليات العسكرية الإسرائيلية التي خلفت دماراً واسعاً وأضراراً جسيمة بالمدنيين.

