دخل النزاع في السودان منعطفاً كارثياً مع اقترابه من العام الرابع، حيث أصدرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، بالاشتراك مع بعثة الاتحاد الأفريقي لتقصي الحقائق، بياناً شديد اللهجة يحذر من مستويات عنف بلغت حداً بالغ الخطورة في ظل تفشي الإفلات من العقاب. وكشفت التحقيقات المشتركة عن تورط القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والقوات المتحالفة معهما، في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، شملت القتل والاحتجاز التعسفي والتعذيب، مع استمرار الهجمات العشوائية والغارات الجوية في المناطق المأهولة واستهداف المرافق الحيوية كالأسواق والمستشفيات.
وتشير تقديرات البعثات إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين منذ اندلاع الأعمال العدائية في منتصف نيسان/أبريل 2023، في نزاع اتسم بالوحشية الممنهجة وتجاهل قواعد القانون الدولي. وقد وثقت التقارير نمطاً منظماً من الانتهاكات ارتكبتها قوات الدعم السريع، شملت النهب والعنف الجنسي والاستهداف العرقي، وهو ما أدى إلى تمزيق المجتمعات في مناطق الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، مع مخاوف جديّة من تمدد هذه الانتهاكات إلى ولايات النيل الأزرق والنيل الأبيض والنوبة.
وفي سابقة قانونية هامة، اعتبرت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن جرائم دولية قد ارتكبت بالفعل، حيث خلصت إلى ارتكاب طرفي النزاع لجرائم حرب. وحددت البعثة جرائم حرب إضافية ارتكبتها قوات الدعم السريع، من بينها التجويع، وجرائم ضد الإنسانية تمثلت في الاغتصاب والاضطهاد والإبادة عبر الحرمان من الضروريات. كما أثبتت التحقيقات وجود نمط صارخ من الاستهداف القائم على الهوية ضد مجتمعي “الزغاوة” و”الفور” في الفاشر خلال تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهو نمط يتسم بسمات الإبادة الجماعية.
من جانبها، أكدت بعثة الاتحاد الأفريقي أن هذه الانتهاكات تمس الحقوق الأساسية في الحياة والكرامة والأمان، وتستهدف الفئات المستضعفة بشكل مباشر. وقد أدى هذا الصراع إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث تم تسجيل أكثر من 8.6 مليون نازح داخلياً و4 ملايين لاجئ حتى مطلع آذار/مارس 2026، بينما يواجه العاملون في المجالات الإنسانية والطبية والحقوقية مخاطر القتل والاحتجاز والتعطيل الممنهج لقوافل الإغاثة.
وشددت البعثات على أن المساءلة هي الركيزة الأساسية لمنع استمرار هذا الصراع، داعية الأطراف المتنازعة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات التالية:
- إعطاء الأولوية للجهود الرامية إلى تحقيق وقف إطلاق نار شامل ومستدام.
- ضمان امتثال قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية الكامل للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي، والميثاق الأفريقي، بما يضمن حماية المدنيين وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والتوقف عن الهجمات والنهب والعنف الجنسي.
- ضمان امتثال الدول والشركات لحظر الأسلحة في دارفور بموجب قرار مجلس الأمن 1556 (2004)، وتنفيذ العقوبات القائمة.
- دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية في السودان والتعاون الكامل معها.
- إنشاء آلية قضائية مستقلة مكملة لمحاكمة الجرائم الدولية، بالتنسيق مع جهود العدالة الدولية.
- منح بعثة الأمم المتحدة والبعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي إمكانية الوصول الكامل لجميع أنحاء البلاد لإجراء تحقيقات مستقلة.
وختمت البعثتان بيانهما بالتأكيد على الالتزام بمواصلة توثيق الانتهاكات وإيصال أصوات الضحايا، سعياً لاستعادة السلام والعدالة والكرامة للشعب السوداني في ظل هذه الأزمة المدمّرة.

