Image source: Wikimedia
منذ سقوط النظام السوري، أظهرت عمليات البحث والتحقيق عن المفقودين والمختفين قسرياً ما كان يعيشه السوريون من واقعٍ مرير، إذ تم اكتشاف أعداد كبيرة من المقابر الجماعية التي تحتوي على جثث مجهولة الهوية، ما يعكس الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين خلال سنوات حكم آل الأسد.
منذ سقوط نظام بشار الأسد (الرئيس السوري السابق) في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بدأت الفرق المحلية والدولية، بالعمل على توثيق وتحديد مواقع المقابر الجماعية في سوريا، التي يُرجح أن تكون دليلاً قطعياً على ارتكاب النظام السابق لعمليات إعدام جماعية بحق المدنيين.
وحصلت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين ICMP (ومقرها لاهاي) على بيانات تشير إلى وجود 66 مقبرة جماعية لم يتم التنقيب عنها بعد. في سوريا ويعتبر أكثر من 150 ألف شخص في عداد المفقودين، كما جمعت اللجنة الدولية بيانات من أكثر من 76,200 قريب سوري أبلغوا عن أكثر من 28,200 مفقود.
اكتشافات متفرقة لمقابر جماعية
في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أفاد معاذ مصطفى رئيس المنظمة السورية للطوارئ، لوكالة رويترز، عثورهم على موقع مقبرة جماعية تحتوي على ما لا يقل عن 100 ألف جثة لأشخاص قتلوا على يد قوات النظام السابق، في بلدة القطيفة التي تبعد 40 كيلو متر عن العاصمة دمشق.
وأكد مصطفى أنهم وجدوا 4 مقابر جماعية أخرى خارج العاصمة دمشق، فيها جثث سوريي الجنسية ومواطنين أمريكيين وبريطانيين وأجانب آخرين.
وقالت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، إن فريقها زار موقع المقبرة الجماعية في بلدة القطيفة بريف دمشق، وأكد لهم شهود عيان أن النظام السابق بالتعاون مع روسيا، قاموا بتجريف المقبرة خلال عامي 2018 و2020.
وأشارت الرابطة إلى أن تجريف المقبرة كان يهدف إلى “طمس معالم الجرائم التي ارتكبها النظام السابق، وإخفاء أدلة هامة على انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، كما أفاد شهود عيان للرابطة بتحويل مكان المقبرة إلى قاعدة رادار عسكرية، مما يثير مخاوف جدية بشأن مصير رفات آلاف الضحايا الذين دُفنوا في تلك المقبرة.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2024، انتشلت فرق البحث في الدفاع المدني السوري رفات 7 جثث، وذلك بعد بلاغ وصل لفرق الدفاع المدني السوري بوجود رفات ضمن قبر مفتوح في أرض غير مشجرة ومسوّرة وتضم حفراً على شكل أخاديد طولية منتظمة مغطاة طبقات أسمنتية، في موقع قرب مدينة عدرا في ريف دمشق الشرقي.
وفي 16 كانون الأول/ ديسمبر 2024، انتشلت فرق الدفاع المدني رفات 21 جثة مجهولة الهوية، منقولة، غير مدفونة في موقع طريق مطار دمشق الدولي في ريف دمشق الشرقي.
وأيضاً في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2024، عثر سوريون على مقبرة جماعية في أرض زراعية غربي مدينة إزرع بريف درعا جنوبي سوريا، وكانت المزرعة تسيطر عليها ميليشيا تابعة لفرع الأمن العسكري التابع للنظام السابق، وكان بداخلها 31 جثّة لضحايا بينهم أطفال ونساء.
وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر 2024، رصد سوريون نحو 150 حفرة عميقة، تحتوي على نحو 75 ألف جثمان، في منطقة الحسينية في ريف دمشق (خلف قصر المؤتمرات) يصل عمق الواحدة منها إلى 20 متراً.
مقطع في غاية الأهمية:
— قتيبة ياسين (@k7ybnd99) December 14, 2024
ماذا يوجد هنا؟
150 مقبرة جماعية تحوي نحو 75 ألف جثمان معتقل موجودة في منطقة واحدة، هي منطقة الحسينية بريف دمشق خلف قصر المؤتمرات، كل حفرة بعمق 20 متر، يتم دفن جثامين المعتقلين على دفعات فوق بعضهم، يتم دفن أول حمولة تصل بالبرادات ويردم فوقه التراب، ثم تصل… pic.twitter.com/WyCCFoRIUE
وفي 11 و12 كانون الأول/ ديسمبر 2024، زارت هيومن رايتس ووتش موقع “مذبحة التضامن” في حي التضامن جنوبي دمشق، وأكدت أنها وجدت أعداداً كبيرة من الرفات البشرية في موقع مجزرة، كانت قد وقعت في نيسان/ أبريل 2013، بالإضافة إلى رفات جثث أخرى مبعثرة في أنحاء الحي.
المطالبة بحماية الأدلة
دعت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، 15 كانون الثاني/ ديسمبر 2024، إلى ضرورة حماية الأدلة في السجون ومرافق الاحتجاز الجماعي ومواقع الدفن السرية عند اكتشافها، معتبرة أنه ومع سقوط نظام السابق هو “فرصة حاسمة” لمعالجة قضية المفقودين وتعزيز العدالة للضحايا وعائلاتهم.
The recent events in #Syria present a critical opportunity to address the issue of the missing and advance #justice for victims and their families. It is essential to safeguard evidence from prisons, mass detention facilities, and clandestine burial sites as they are discovered.… pic.twitter.com/sOdf6RskBe
— ICMP (@TheICMP) December 15, 2024
ودعت منظمة هيومن رايتس ووتش، 16 كانون الثاني/ ديسمبر 2024، إلى ضرورة حماية المقابر الجماعية في سوريا، وبدء سريان التحقيقات بشأنها.
ووصفت المنظمة بعد تفحص فريقها لحالة مقبرة جماعية في دمشق، إلى أن منطقة التضامن هي “مسرح جريمة جماعية”، مرجحة أن تكون المقبرة موقعاً لتنفيذ الإعدامات الجماعية.
وأعلنت الأمم المتحدة، 17 كانون الثاني/ ديسمبر 2024، أنها طالبت السلطات المؤقتة في سوريا بحماية الأدلة التي يمكن أن تساعد الشعب في تحقيق العدالة والمساءلة.
وقال هاني مجلي عضو لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق بشأن سوريا، إن أهم شيء في المرحلة الحالية هو “حماية الأدلة”، لأنها مهمة للمحاكمة والمساءلة، مؤكداً أنه بحال عبث أشخاص بالأدلة، فستقول المحاكم إنها غير قادرة على استخدامها، مشدداً على ضرورة الحفاظ على المقابر الجماعية كأدلة “كما هي” بهدف معرفة هوية المدفونين في تلك المقابر.
وأكد روبرت بيتي رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في الجرائم الخطيرة في سوريا، 17 كانون الثاني/ ديسمبر 2024، على أن الوصول المتاح حالياً إلى الأدلة الخاصة بالانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، يعني أن المساءلة قد تكون أقرب من أي وقت مضى، إذا تم الحفاظ على الأدلة.
دعوات للتعاون وتحمل المسؤولية
وناشد الدفاع المدني السوري، من خلال بيان نشر في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، السلطات في سوريا ووسائل الإعلام بضرورة تحمل مسؤولياتهم في احترام وحماية القبور الجماعية من العبث بها وبضرورة وقف هذه الانتهاكات بأسرع وقت ممكن، في ظل ما تشهده سوريا من انتهاكات خطيرة وغير مسؤولة بكشف أماكن المقابر الجماعية ونبشها وحدوث تدخلات غير مهنية واستخراج عشوائي للرفات.
بيان مناشدة من الدفاع المدني السوري بخصوص المقابر الجماعية وضرورة حمايتها
— الدفاع المدني السوري (@SyriaCivilDefe) December 19, 2024
لقراءة البيان كاملاً: https://t.co/3Hr9cgPkr8#الخوذ_البيضاء #سوريا #سوريا_الآن pic.twitter.com/XXdEqsp4L1
واعتبر الدفاع المدني أن التدخلات غير المهنية التي تتعرض لها المقابر الجماعية تمثل انتهاكاً لكرامة الضحايا وحقوقهم وحقوق عائلاتهم، كما أنها تؤدي إلى إلحاق ضرر بالغ بمسرح الجريمة والأدلة الجنائية التي يمكن أن تساعد في كشف مصير المفقودين والمتورطين في جرائم اختفائهم ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم.
وأكد الدفاع المدني في بيانه أن هذه التدخلات غير المهنية، تعيق جهود العدالة وتضاعف من معاناة العائلات التي تنتظر بفارغ الصبر معرفة مصير أبنائها، وتقوّض الجهود المستقبلية لتحقيق المساءلة والعدالة.
وفي 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اعتبرت اللجنة الدولية أنه ومن الضروري في ضوء ما حدث في سوريا، أن يتعاون جميع “أصحاب المصلحة” لمعرفة مصير المختفين سوريا. مؤكدة أن هذا التعاون سيتيح وضع عملية فعالة للتعامل مع الأعداد الهائلة للمختفين قسراً في سوريا، من خلال العلوم الوراثية وتكنولوجيا قواعد البيانات، على أمل أن يتم ذلك في إطار تشريعي ومؤسسي سوري جديد. وسوف تحظى هذه العملية بدعم السلطات داخل سوريا وخارجها.
إبادة ممنهجة
كشف تقرير “المسلخ البشري” الذي أصدرته منظمة العفو الدولية سابقاً عام 2017 كيف ارتكبت السلطات السورية في عهد الرئيس بشار الأسد أعمال القتل، والتعذيب، والاختفاء قسري، والشنق الجماعي، والقتل الجماعي للمحتجزين في سجن صيدنايا العسكري (أسوأ مركز احتجاز سمعةً في سوريا) وذلك في إطار هجوم ممنهج وواسع النطاق ضد المدنيين وصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية.
ونُشر التقرير في 7 شباط/ فبراير 2017، وتحدث عن وجود حملة مدروسة تنفذها سلطات النظام السابق على شكل إعدامات خارج نطاق القضاء، وتتم عن طريق عمليات شنق جماعية داخل سجن صيدنايا، فقد اقتيدت مجموعات من نحو 50 شخصاً من زنزاناتهم كي يتم إعدامهم شنقاً خلال الفترة ما بين 2011 و2015، وتكررت هذه العملية بشكل أسبوعي، وبواقع مرتين في الأسبوع أحياناً. وتم شنق نحو 13 ألف شخص سراً في صيدنايا على مدار خمس سنوات، غالبيتهم من المدنيين الذين يُعتقد أنهم من معارضي الحكومة.
الملاحقة القضائية
تأسست الآلية الدولية المحايدة المستقلة للتحقيق في جرائم الحرب في سوريا عام 2016 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي مكلفة بجمع الأدلة وحفظها وتحليلها لدعم السلطات القضائية المختصة في التحقيق في الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا منذ آذار/ مارس 2011 فصاعداً وملاحقة مرتكبيها. وقد تشمل هذه الجرائم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأكد رئيس الآلية روبرت بيتي أنه مع وجود “سلسلة متشابكة من مسارح الجريمة” في جميع أنحاء البلاد التي يمكن الوصول إليها الآن، أصبحت هناك إمكانية للوصول إلى الأدلة وتحديد مصير عشرات الآلاف الذين “اعتقلوا بشكل غير قانوني واحتُجزوا وعانوا لسنوات من العنف داخل نظام السجون”.
وصرح بيتي أن الحكومة السورية السابقة لم تعترف بشرعية الآلية ولم تتعامل معها على الرغم من المحاولات العديدة.مؤكداً أنهم وفي ضمن الاستعداد لعمليات المساءلة المستقبلية، جمعت الآلية الدولية أدلة من مصادر عديدة و283 تيرا بايت من البيانات التي يمكن استخدامها لدعم السلطات القضائية الحالية والمستقبلية.
وعلى مر السنوات الماضية، تلقت الآلية أكثر من 400 طلب للمساعدة من 16 سلطة قضائية مختلفة، وتمكنت من دعم أكثر من نصفها بالأدلة والتحليلات.
دعوة لضرورة المحاسبة
اكتشاف المقابر الجماعية يسلط الضوء على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان، كما إن الإعدام خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاختفاء القسري تعد جرائم ضد الإنسانية تستدعي التحقيق والمساءلة.
ووفقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، يُحظر الإعدام الميداني أو التعذيب أو الاختفاء القسري. وبحسب المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن الإعدام الجماعي والتعذيب هما جرائم ضد الإنسانية، خاصة وأن موضوع المقابر الجماعي والانتهاكات الحاصلة في سوريا تزامن مع رفض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للمشروعية القانونية لعقوبة الإعدام بموجب القانون الدولي.
وتؤكد منظمة “نفس العدالة” أن جرائم الحرب لا يمكن أن تسقط بالتقادم، وفقا للمادة الأولى من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، مطالبة بضرورة التحرك العاجل لحماية الوثائق الرسمية التي من الممكن أن تدين النظام وتعرف هوية مرتكبي الجرائم.
وتطالب المنظمة بالتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الأشخاص المدفونين في جميع المقابر الجماعية، وحالات الاختفاء القسري، وتشدد على ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم.

