Image source: needpix
طوال السنوات الـ14 الماضية في سوريا، فقد عشرات آلاف الأشخاص حياتهم تحت التعذيب في السجون السورية، في حين ما يزال الآلاف من المعتقلين مختفون “قسرياً” منذ عام 2011 وحتى اليوم.
ظروف الاحتجاز والسجن أو حتى الاعتقال في سوريا، لا تشبه مثيلاتها في بلدان أخرى، إذ يعاني السجناء من ظروف قاسية ولا تُلبى أدنى احتياجاتهم الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية المقدمة لهم.
في 7 أيار/ مايو 2024، توفي المحامي ثامر الطلاع بعد 10 أيام من اعتقاله من قبل فرع الأمن الجنائي بمدينة الحسكة شرقي سوريا.
واعتقل الطلاع من أمام القصر العدلي في مدينة الحسكة بتهمة نقل “ملكية سيارات مسروقة”، ورفض رئيس فرع الأمن الجنائي نقله إلى المشفى رغم تدهور حالته الصحية، كما تم تسليم الجثة إلى الأهل بعد يوم من الوفاة، ولم يتبين ما إذا كان الطلاع توفي داخل الفرع بسبب تعرضه للتعذيب أم لا، ولكن ما يمكن تأكيده أن الطلاع احتاج الخروج إلى المشفى ولم ينقل.
وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق وفاة 13 شخصاً داخل المعتقلات الأمنية التابعة للنظام السوري منذ بداية كانون الأول/ يناير وحتى 17 آذار/ مارس 2024، من بينهم وفاة شخص من مدينة البوكمال شرقي دير الزور شرقي سوريا، بعد شهر من اعتقاله في فرع الأمن الجنائي، نتيجة نقص الرعاية الصحية في سجون النظام السوري.
مستشفيات أم أوكار تعذيب؟
نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، تقريراً في نيسان/ أبريل 2017، تتحدث فيه عن تحول مشافي النظام السوري إلى أوكار تعذيب.
وتحدث التقرير عن مستشفى 601 والمستشفيات العسكرية القريبة في تشرين وحرستا داخل العاصمة السورية دمشق، ومستشفيات عسكرية في حمص وحلب ودرعا.
وعرضت الصحيفة شهادات عيان من سجناء وموظفين في المستشفيات العسكرية التابعة للنظام السوري في سوريا، وبينت فيها تعرض السجناء إلى وسائل التعذيب مختلفة مثل شد الشعر أثناء إنزال المرضى على الدرج، وإيقاعهم أرضاً، وربط أسرتهم بجانب الموتى، وغيرها، ولفت أحد شهود العيان، إلى أن حلم السجناء كان الاستحمام بمياه ساخنة.
تجريم الرعاية الصحية
اعتُقل العديد من الأطباء العاملين في المشافي والمراكز الطبية داخل مناطق سيطرة حكومة النظام السوري بسبب تقديمهم الرعاية الصحية للمعتقلين أو المتظاهرين، إذ يجرم النظام تقديم الرعاية الصحية.
ونشرت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، بحثاً عن معاناة 1644 من العمال الصحيين الذين احتجزهم النظام في سوريا ما بين 2011-2012، وكان مصيرهم إما النجاة أو الاعتقال أو المجهول.
وخلصت الدراسة إلى أن العاملين الصحيين المعتقلين بسبب تقديمهم الرعاية الطبية، عانوا من نتائج أسوأ من العاملين الصحيين المعتقلين بسبب نشاطهم السياسي، وأظهرت بيانات الدراسة أن نسبة احتمال وفاة المحتجز أعلى بنسبة 400% بسبب تقديمه الرعاية الصحية من احتمال وفاته لأسباب سياسية.
وبحسب الدراسة فإن حكومة النظام السوري تحتجز العاملين الصحيين لأنها تزعم أن العلاج والرعاية المنقذة للحياة التي يقدمونها للخصوم الذين تعتبرهم إرهابيين “تشكل دعماً مادياً للإرهاب”، وتجريم الرعاية الصحية بهذه الطريقة يتجاهل حماية القانون الدولي الإنساني للرعاية المقدمة للمرضى والجرحى.
صور قيصر
بسبب الممارسات “الوحشية” في سجون النظام، وعدم رعاية السجناء، توفي عشرات آلاف السجناء تحت التعذيب أو بسبب نقص الرعاية الصحية، منهم من سلم جثثاً هامدة إلى أسرهم، أو من تم دفنهم في قبور جماعية.
وكانت صور انتشرت في كانون الثاني/ يناير 2014، التقطت لجثث معتقلين قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام السوري، وعرفت فيما بعد باسم صور قيصر وفق ما أطلق على نفسه مصوّر الطب الشرعي الرسمي للشرطة العسكرية، والذي صوّر بنفسه جثث معتقلين وساعد في أرشفة آلاف مثلها.
والتقطت هذه الصور، في الفترة ما بين أيار/ مايو 2011 وآب/ أغسطس 2013، كإجراء روتيني لجهاز الأمن السوري لإعداد سجل صور فوتوغرافية لآلاف الذين ماتوا في المعتقلات منذ 2011، وضمت الصور 53 ألفاً و275 ملفاً كمجموعة صور قيصر الكاملة.
مقابر جماعية أم مراكز رعاية صحية؟
في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نشرت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، دراسة من مجموعة توثيقات، بينت فيه آليات القتل والإخفاء في المشافي العسكرية التابعة للنظام السوري، وعمل مفارز الشرطة العسكرية والمخابرات العسكرية ومشفى تشرين العسكري، وتوثيق آلية نقل جثث المعتقلين والدفن بمقابر جماعية.
وعنونت الدراسة باسم “قتلوهم بصمت”، وعملت على مقابلة 32 سجيناً سابقاً في الفترة الممتدة ما بين 2011 و2020، وشرحت في الفقرة الأخيرة المعاملة التي يقدمها مشفى تشرين للمقربين من “السلطة” وعائلاتهم، وفي الوقت ذاته تكون مكاناً لتصفية المعتقلين.
ووثقت الدراسة كيف أن الشُعب الطبية في مشفى تشرين، وعددها 36 وهي تغطي مختلف الاختصاصات، لا تتعامل مع المعتقلين بنفس الطريقة أو تقدم لهم الرعاية الطبية المطلوبة دائماً، بحسب الشهادات التي وثقتها الرابطة.
دعوات من العفو الدولية
صرحت منظمة العفو الدولية، أمنيستي أن السجناء والمحتجزين، بما في ذلك عشرات الآلاف من الأشخاص المحتجزين تعسفياً أو المختفين قسرياً، يتعرضون لخطر الإصابة بالمرض لأنهم محتجزون في ظروف لا تتوفر فيها شروط النظافة، في مواقع تديرها قوات الأمن في شتى أنحاء البلاد.
ودعت أمنستي، في آذار/ مارس 2020، الحكومة السورية للإفراج فوراً ودون قيود أو شروط عن جميع سجناء سوريا، ودعت إلى النظر في عمليات الإفراج المبكر أو المشروط عن السجناء المعرضين لخطر شديد، مثل السجناء أو الذين يعانون من ظروف صحية خطيرة.
وقالت لين معلوف مديرة البحوث للشرق الأوسط بمنظمة العفو الدولية إنه لدى الحكومة السورية سجل طويل في حرمان السجناء والمحتجزين من تلقي الرعاية الطبية والأدوية التي هم في أمس الحاجة إليها.
قواعد نيلسون مانديلا
تشدد قواعد نيلسون مانديلا على أن توفير الرعاية الصحية للسجناء هي مسؤولية الدولة، وأن العلاقة بين محترفي الرعاية الصحية والسجناء تحكمها نفس المعايير الأخلاقية والمهنية كتلك التي تنطبق على المرضى في المجتمع.
وعلاوة على ذلك، تُلزم القواعد خدمات الرعاية الصحية للسجون بتقييم ورعاية الصحة البدنية والعقلية للسجناء، بمن فيهم ذوي الاحتياجات الخاصة.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، منذ عام 2015، قواعد موسعة، تعرف باسم “قواعد نيلسون مانديلا“، وهي قواعد منقحة تعكس المعايير الدولية المعتمدة منذ خمسينيات القرن الماضي، وتعتبر مبادئ توجيهية مفصلة لحماية حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم قبل المحاكمة إلى السجناء المحكوم عليهم.
تستند القواعد إلى الإلتزام بمعاملة جميع السجناء باحترام لكرامتهم المتأصلة وقيمتهم كبشر، وحظر التعذيب وغيره من ضرب وسوء معاملة، وتوفر إرشادات مفصلة حول مجموعة واسعة من القضايا التي تتراوح من التدابير التأديبية إلى الخدمات الطبية.
الرعاية الصحية داخل السجون:
تدعو صكوك حقوق الإنسان إلى حصول السجناء على رعاية صحية تكافئ على الأقل الرعاية المتاحة لمن هم خارج السجن، ومن واجب الحكومات الحفاظ على صحة السجناء والنهوض بالصحة العامة لنزلاء السجون.
وذكر موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المعاهدات والاتفاقيات تنص على التزام سلطات السجن بتوفير عدة أمور نذكر أبرزها:
– أماكن معيشة آمنة وصحية لكل السجناء
– حماية الأشخاص من العنف والإكراه
– توفير خدمات الرعاية الصحية والأدوية الكافية، دون مقابل قدر الإمكان
– تقديم المعلومات والتعليم الخاص بإجراءات الوقاية الصحية والأسلوب الصحي للحياة
– تنفيذ إجراءات الوقاية الصحية الأولية
توصيات للحكومة السورية
أطلقت منظمة هيومن رايتس ووتش توصيات حول الرعاية الصحية في السجون السورية، وفقاً لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، في تقرير “لو تكلم الموتى” 16 كانون الأول/ ديسمبر 2015، وجهتها للحكومة السورية، وكان من أبرزها:
– نشر القوائم الرسمية لجميع المعتقلين الذين لقوا حتفهم في مراكز الاعتقال والسجون التابعة للحكومة السورية، بما فيها الفروع الأمنية التي تديرها هيئات المخابرات السورية.
– الإيقاف الفوري لممارسة الإخفاء القسري، والاعتقال والاحتجاز التعسفى، واستخدام التعذيب.
– تزويد المعتقلين بأطعمة ذي قيمة غذائية كافية للحفاظ على صحتهم وقواهم، تكون جيدة النوعية وحسنة الإعداد وتقدّم بصفة منتظمة، وجعل مياه الشرب متوفرة لكل المعتقلين والمعتقلات كلما كانوا بحاجة إليها.
-توفير المنشآت الصحية الكافية للمعتقلين وتمكينهم من الوصول بشكل منتظم إلى مرافق الاستحمام، بحد أدنى مرة واحدة في الأسبوع.
-توفير الحصول السريع على الرعاية الصحية للمعتقلين.
ويطالب مركز نفس العدالة Same Justice، بمعاملة السجناء ومعتقلي الرأي وفق المعاملة الإنسانية المنصوص عليها ضمن حقوق الإنسان والصكوك الدولية، ويحث على ضرورة الرعاية الصحية المقدمة لهم من قبل الحكومة، ومعاملته على أساس أنه “إنسان أولاً ومحتجز ثانياً”.

