Image source: United Nations Photo
اعتبر المجلس الأطلسي أن إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية هو “ضرورة ملحّة”.
ونشر المجلس الأطلسي (وهو مؤسسة بحثية غير حزبية تعمل في مجال الشؤون الدولية)، مقالاً في 26 أيلول/ سبتمبر 2024، بعنوان “ينبغي على الدول الأعضاء أن تحيل الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية”.
واعتبر المقال أن الدور الحاسم الذي تلعبه المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع الجرائم الدولية، أينما وقعت، (وخاصة بعد “الضجة الكبيرة” التي أحدثها طلب المدعية العامة للمحكمة بإصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع و3 من قادة حماس، المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إسرائيل وغزة)، ودعا إلى تطبيق القانون ذاته لإنهاء الصراع في سوريا.
وتحدث المقال عن أرقام الضحايا المدنيين من قتلى وجرحى، وعدد الهجمات بالأسلحة الكيميائية والذخائر المختلفة، واصفاً ما حدث في سوريا خلال السنوات السابقة هو ما أكسبه لقب “أكبر أزمة إنسانية وأزمة لاجئين في العصر الحالي”.
وذكّر المقال بتقارير صادرة عن الأمم المتحدة تؤكد أن أفراداً من حكومة النظام السوري وآخرين تابعين للجيش، هم “الجناة الرئيسيون” لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وجرائم بموجب القانون الدولي، داعياً إلى إخضاع جميع المسؤولين للتحقيق ومحاكمتهم بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وطالب بالمسائلة عن ارتكاب جميع الانتهاكات بغض النظر عن الذي ارتكبها، لأن الجرائم الخطيرة في سوريا لا تقتصر على حكومة النظام فقط.
وتحدث المقال عن جهود بعض الدول لمحاسبة النظام السوري، وخاصة التي رفعتها هولندا وكندا أمام محكمة العدل الدولية، إذ ركزت على انتهاكات اتفاقية مناهضة التعذيب، فضلاً عن الملاحقة الجنائية للأفراد مثل ما حدث في محاكمات كوبلنز بألمانيا وباريس بفرنسا.
ودعا المقال المحكمة الجنائية الدولية لبدء تولي الإجراءات لمقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية معينة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في سوريا.
وتحدث التقرير عن الحاجة الملحة للتحرك، إذ مر أكثر من عقد على بدء “النزاع” في سوريا، خاصة وأن الجهود المحلية ما تزال غير كافية لتقديم المحاسبة والعدالة المناسبة للعدد الكبير من الضحايا والمعتقلين والمهجرين، إذ لا يمكن بناء سوريا جديدة من دون التعامل مع الجرائم المروعة التي وقعت، واعتبر التقرير أن المحاسبة على أعلى المستويات ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل ضرورة لتحقيق مصالحة حقيقية وتمهيد الطريق نحو مستقبل أفضل.
ودعا كاتبا التقرير إلى إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة، بأسرع وقت، وذلك من خلال تولي الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لزمام المبادرة.
كيف يمكن أن يُستفاد من المحكمة الجنائية الدولية؟
المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة أنشئت لمقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية معينة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
ويتضمن نظام روما الأساسي، المعاهدة التي أسست المحكمة الجنائية الدولية، ثلاثة سبل يمكن للمحكمة من خلالها ممارسة اختصاصها.
ففي حالة الجرائم المرتكبة على أراضي أو من قبل مواطني الدول التي قبلت اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، يمكن لأي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية إحالة الوضع إلى المحكمة، أو يمكن للمدعي العام أن يبدأ تحقيقه، والسبيل الثالث هو من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يمكنه إحالة أي وضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، بغض النظر عن عضوية الدولة في المحكمة أو قبولها لها.
وعلى الرغم من المحاولة التي حظيت بدعم واسع النطاق في عام 2014 من قبل 13 دولة في مجلس الأمن لإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، استخدمت روسيا والصين حق النقض لمنع تلك الإحالة (من قبل مجلس الأمن).
وعلاوة على ذلك، وبما أن سوريا لم تصادق على نظام روما الأساسي أو تقبل اختصاص المحكمة، فإن المدعي العام لا يستطيع أن يبدأ تحقيقاً بمبادرة منه، ولا تستطيع الدول الأعضاء الإشارة إلى الجرائم التي تحدث حصرياً على أراضي سوريا.
ولكن وحتى قبل بضع سنوات، كان طريق سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية مغلقاً بسبب حق النقض وعدم كونها دولة عضو، إلا أنه وفي عامي 2018 و2019، أعاد قراران تاريخيان للمحكمة الجنائية الدولية فتح الباب أمام وضع سوريا. وبعد مرور خمس سنوات، يجب فتح هذا الباب على مصراعيه.
ما هو الطريق الذي ستسلكه سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية؟
أصدرت الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية، في عام 2018، قراراً تاريخياً يقضي بأن المحكمة لديها اختصاص قضائي بشأن ترحيل الروهينجا من ميانمار إلى بنغلاديش، على الرغم من أن ميانمار ليست دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية ولم يحيل مجلس الأمن الوضع في ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وعلى هذا الأساس، طلب المدعي العام في عام 2019 الإذن بالتحقيق في 3 جرائم ضد الإنسانية في ميانمار ذات عنصر عبر الحدود: الترحيل والاضطهاد وأعمال أخرى غير إنسانية، وفي وقت لاحق، من العام ذاته، منحت الدائرة التمهيدية طلب المدعي العام، وبالتالي سمحت بإجراء تحقيق كامل في الوضع بين ميانمار وبنغلاديش.
وقارب المقال ما حدث في ميانمار وبنغلاديش، مع ما يحدث ما بين سوريا والأردن (وهي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، وقد صادقت على نظام روما)، حيث أدت الهجمات الوحشية والمنهجية على المدنيين في سوريا إلى حدوث نزوح جماعي نحو الأردن.
إحالة الدولة الطرف والتعاون بين المحكمة الجنائية الدولية والآلية الدولية المستقلة
أوضحت المقالة أن أكثر من خمسين ضحية سورية تم ترحيلها إلى الأردن، قد رفعوا دعاوى قانونية.
وتلقى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، خلال السنوات الخمس الماضية، ما لا يقل عن 4 اتصالات من الضحايا ومحامييهم والمنظمات غير الحكومية التي تزعم أن المحكمة الجنائية الدولية لديها اختصاص فتح تحقيق، ولم يتم اتخاذ أي قرار حتى الآن بشأن هذه الاتصالات.
وبموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، يتمتع المدعي العام بسلطة تقديرية فيما إذا كان سيفتح تحقيقاً بناءً على هذه الاتصالات، كما لا يوجد إطار زمني محدد يجب عليه الرد أو التصرف خلاله.
ولكن الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بسلطة إرغام المحكمة على التصرف بموجب المادة 14 من نظام روما.
ويمكن لأي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية إحالة الوضع في سوريا والأردن إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي طلب فتح تحقيق.
عوامل المساءلة عن الجرائم الدولية
هناك 4 عوامل رئيسية تجعل إحالة الدولة الطرف للوضع في سوريا والأردن الطريق الأكثر إقناعاً وكفاءة للمساءلة عن الجرائم الدولية الخطيرة.
أولاً، تُعَد إحالة الدولة الطرف عملية سهلة نسبياً. ولا تفرض المادة 14 عبئاً إثباتياً على الدولة المُحيلة. فقد بلغ مجموع الإحالات الأخيرة من الدول الأطراف للحالات المعقدة في أوكرانيا وفلسطين وفنزويلا ما بين صفحتين إلى خمس صفحات فقط.
ثانياً، تفرض إحالة الدولة الطرف التزاماً إيجابياً على المدعي العام بفتح تحقيق ما لم يقرر عدم وجود أساس معقول للمضي قدماً. ويتناقض هذا الالتزام بشكل صارخ مع درجة السلطة التقديرية التي يتمتع بها المدعي العام في تحديد ما إذا كان سيفتح تحقيقاً عند تلقي اتصالات المادة 15 من المنظمات غير الحكومية، بما في ذلك تلك التي تلقاها بالفعل بشأن هذه المسألة.
ثالثاً، وكما هو منصوص عليه في نظام روما، وتؤكده أحكام قضائية حديثة مستمدة من الوضع في أفغانستان ، فإن بلاغ المادة 15 يتطلب من المدعي العام أن يسعى للحصول على إذن من الدائرة التمهيدية لفتح تحقيق ــ وهي عملية قد تستغرق شهورا أو أكثر. وتضيف إحالة الدولة الطرف الميزة الإجرائية المتمثلة في أن المدعي العام لا يتعين عليه أن يسعى للحصول على مثل هذا الإذن.
رابعاً، يمكن لمكتب المدعي العام أن يعتمد على كميات كبيرة من الأدلة ذات الصلة التي جمعتها الأمم المتحدة بالفعل وحللتها.
كما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة على وجه التحديد الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ( IIIM ) للمساعدة في التحقيق وملاحقة الأشخاص المسؤولين عن أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي المرتكبة في الجمهورية العربية السورية منذ آذار/ مارس 2011.
بما في ذلك نقل الكمية الهائلة من الأدلة التي جمعتها بالفعل والتي توضح السياق الذي ارتكبت فيه الجرائم ضد الإنسانية في سوريا.
إن الجمع بين إحالة الدولة الطرف والتعاون بين المحكمة الجنائية الدولية والآلية الدولية المحايدة والمستقلة لن يضمن الاستخدام الفعال للموارد المحدودة فحسب، بل سيرسل أيضًا رسالة واضحة لا لبس فيها إلى الجناة والضحايا على حد سواء.
المجلس الأطلسي Atlantic Council:
هو مركز بحثي غير ربحي ومؤسسة فكرية مقرها الولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة واشنطن، يركز على السياسة الدولية والأمن والشؤون العالمية، تأسس عام 1961 ويهدف إلى تعزيز التعاون عبر الأطلسي، خصوصًا بين الولايات المتحدة وأوروبا، في مجالات الأمن الدولي والسياسة الخارجية والاقتصاد.
كاتبا المقال:
ياسر طبارة هو عضو مؤسس في مجلس إدارة المنتدى السوري والمخطط الاستراتيجي الرئيسي لهم.
نيك ليدي هو رئيس قسم التقاضي في “المركز القانوني في جميع أنحاء العالم” (LAW)، ومحام سابق في مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

